حسن الأمين
144
مستدركات أعيان الشيعة
عمرو الغنوي الموجود قرب سنجار في العراق وهي : يا قصر عباس بن عمرو كيف فارقك ابن عمرك قد كنت تغتال الدهور فكيف غالك ريب دهرك ؟ واها لعزك بل لجودك بل لمجدك بل لفخرك وتحتها كتب : « كتبه علي بن عبد الله بن حمدان بخطه سنة احدى وثلاثين وثلاثمائة » . وهي من شعر سيف الدولة في رثاء عباس بن عمرو . من هذه الأمثلة القليلة لشعر سيف الدولة نرى ان شعر سيف الدولة محدد الأغراض ، فهو بين الوصف والغزل ، أما المدح فنادر . وكان مولعا بما يسمى في الشعر ب « الإجازة » فيقول البيت والبيتين ويطلب ممن يحضر مجلسه من الشعراء أن يجيز ما قال . من ذلك أن أبا فراس الحمداني كان في مجلس سيف الدولة في نفر من ندمائه فقال لهم سيف الدولة : أيكم يجيز قولي ، وليس له إلا سيدي ، يعني أبا فراس : لك جسمي تعله فدمي لم تحله ؟ لك من قلبي المكان فلم لا تحله ؟ فارتجل أبو فراس وقال : أنا إن كنت مالكا فلي الأمر كله فاستحسنه وأعطاه ضيعة بمنبج تغل ألفي دينار . ( اليتيمة 1 / 36 ) . ومن ذلك أيضا ان سيف الدولة أنشد المتنبي بيتا ، وطلب منه اجازته . ( ديوان المتنبي 1 / 47 شرح العكبري ) . قال سيف الدولة : خرجت غداة النفر اعترض الدمى فلم أر أحلى منك في العين والقلب فقال أبو الطيب المتنبي : فديناك أهدى الناس سهما إلى قلبي وأقتلهم للدار عين بلا حرب هذا ما استطعنا إثباته من شعر سيف الدولة ، آملين من الله أن نوفق لمعرفة المزيد . سيف الدولة الناقد شهد بلاط سيف الدولة مجالس علمية وأدبية كثيرة ، وكان يشارك في هذه المجالس مدليا برأيه ، مستحسنا أو مستهجنا . ومن خلال هذه المجالس برزت مواقف سيف الدولة النقدية ، وهذه المواقف ليست نظريات في النقد وإنما هي آراء وأقوال تدل على تذوقه للشعر ، وحسن بصره به . وهذه المواقف قليلة في كتب الأدب والنقد التي بين أيدينا . 1 - موقفه من المتنبي عندما أنشده قصيدته الميمية : على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر أهل الكرام المكارم فلما بلغ قوله فيها : وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم قال سيف الدولة : قد انتقدنا عليك هذين البيتين ، كما انتقد على امرئ القيس بيتاه : كاني لم أركب جوادا للذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال ولم أسبا الزق الروي ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال وبيتاك لا يلتئم شطرهما ، كما ليس يلتئم شطرا هذين البيتين ، وكان ينبغي لإمرئ القيس أن يقول : كاني لم أركب جوادا ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال ولم أسبا الزق الروي للذة ولم اتبطن كاعبا ذات خلخال ولك أن تقول : وقفت وما في الموت شك لواقف ووجهك وضاح وثغرك باسم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة كأنك في جفن الردى وهو نائم فقال المتنبي : أيد الله مولانا ، صح ان الذي استدرك على امرئ القيس هذا كان اعلم بالشعر منه ، فقد أخطا امرؤ القيس وأخطات أنا ، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك ، لأن البزاز يعرف جملته ، والحائك يعرف جملته وتفاريقه ، لأنه هو الذي أخرجه من الغزلية إلى الثوبية ، وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد ، وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء ، وأنا لما ذكرت الموت في أول البيت أتبعته بذكري الردى ليجانسه . ولما كان وجه الجريح المنهزم لا يخلو من أن يكون عابسا ، وعينه من أن تكون باكية ، قلت : « ووجهك وضاح وثغرك باسم » ، لأجمع بين الأضداد في المعنى ، وإن لم يتسع اللفظ لجميعها « . فأعجب سيف الدولة بقوله ، ووصله بخمسين دينارا من دنانير الصلات ، وفيها خمسمائة دينار . ( اليتيمة 1 / 37 ) . وهذا الموقف يدل على حاسة نقدية وبصر بالشعر ، فسيف الدولة قد انتقد بيتي المتنبي ، كما أشار إلى نقد امرئ القيس ، وأعاد ترتيب الأشطر ليتلاءم المعنى شكلا . ولكنه عندما استمع إلى وجهة نظر المتنبي وتخريجه لبيتي امرئ القيس وبيتيه تراجع عن موقفه وأعجب بتخريج المتنبي وكافاه ، وهذا أيضا يدل على روح عالية في النقد . 2 - موقفه من أحد الخالديين ( وهما من شعراء لسيف الدولة ) ، وذلك عندما أنشده أحدهما قصيدته التي أولها : لم يغد شكرك في الخلائق مطلقا إلا وما لك في النوال حبيس وفيها يقول : فغدا لنا من جودك المأكول والمشروب والمنكوح والملبوس فقال له سيف الدولة : « أحسنت إلا في لفظة » المنكوح « فليست مما يخاطب بها الملوك » . ويعلق الثعالبي بقوله : « وهذا من عجيب نقده » ( اليتيمة 1 / 39 ) . ولست أرى في ذلك عجبا ، فنقد سيف الدولة هنا ينصب حول « أدب المخاطبة » وخاصة مخاطبة الملوك ، مما يقتضي الشاعر حسن اختياره للألفاظ . وإذا علمنا أن النقد لا يقتصر على بيان العيوب ، وإنما يشمل الاستحسان وبيان الجمال في الأبيات أو البيت ، استطعنا ان نثبت لسيف الدولة عدة مواقف نقدية كان يستحسن فيها الشعر على طريقة القدماء ، عندما كان النقد ساذجا غير معلل . 3 - من هذه المواقف ما أورده الثعالبي في ( اليتيمة 1 / 35 ) من أن أعرابيا أنشد سيف الدولة هذه الأبيات : أنت علي وهذه حلب قد نفد الزاد وانتهى الطلب بهذه تفخر البلاد وبالأمير تزهى على الورى العرب وعبدك الدهر قد أضر بنا إليك من جور عبدك الهرب فقال سيف الدولة : « أحسنت ولله أنت » . 4 - والإقرار على حكم نقدي يعتبر نقدا أيضا ، ويدل على ذوق وبصر ، من ذلك ما أورده الواحدي في شرحه على ديوان المتنبي من أن سيف الدولة كان يسر بمن يحفظ شعر المتنبي ، فأنشد أحد الشعراء بيتا للمتنبي في حضرته